اقرأ المزيد

ركن الصحة

الحمّى عند الأطفال: انظر إلى الطفل لا إلى الميزان

الحمّى هي العَرَض الذي يقلق الأسر أكثر من غيره في مرحلة الطفولة، وأكثر أسباب مراجعة الطبيب شيوعًا.

الموسوعة الصحية 15 سبتمبر 2026

الحمّى هي العَرَض الذي يقلق الأسر أكثر من غيره في مرحلة الطفولة، وأكثر أسباب مراجعة الطبيب شيوعًا. غير أن الحمّى ليست مرضًا بذاتها، بل استجابة طبيعية ونافعة في الغالب يبديها الجسم تجاه العدوى؛ فحين ترتفع الحرارة يعمل الجهاز المناعي بفعالية أكبر ويصعب تكاثر الجراثيم. وأكثر ما تقع فيه الأسر من الأخطاء ظنُّها أن الرقم على الميزان يدلّ على شدّة المرض؛ والحقيقة أن طفلًا يلعب وحرارته 38,5 درجة أقلّ إثارةً للقلق بكثير من طفل مستلقٍ خامل لا يستجيب وحرارته 37,8 درجة. لذلك ينبغي أن يكون محور التقييم لا القراءةَ، بل الحالةَ العامة للطفل، وكمّيةَ السوائل التي يتناولها، وتنفّسَه، ووضوحَ وعيه. والعمر عامل حاسم أيضًا: ففي الرُّضّع دون ثلاثة أشهر تكون الحمّى وحدها علامةً ذات أولوية دائمًا. ونتناول في هذا المقال سببَ ظهور الحمّى، وكيفيةَ قياسها الصحيحة، وما يُفعل وما لا يُفعل في المنزل، وأيَّ العلامات لا تحتمل التأخير، وما ينبغي معرفته عن التشنّج الحُمّوي.

ما الحمّى ولماذا تظهر؟

تُحفَظ حرارة الجسم ضمن نطاق معيّن، تمامًا كمنظّم حراري، بواسطة مركز في منطقة من الدماغ تُسمّى الوطاء. وأثناء العدوى ترفع الموادُّ التي يفرزها الجهاز المناعي درجةَ الحرارة المستهدفة في هذا المركز؛ ولأن الجسم صار يعدّ قيمةً أعلى "طبيعية"، يشعر الشخص بالبرد ويرتجف ويرغب في التدثّر. ولهذا ينبغي أن يُعدّ طبيعيًّا ما يُرى أثناء ارتفاع الحرارة من ارتجاف وشعور بالبرد وبرودة في اليدين والقدمين؛ أما التعرّق فهو في الغالب علامة على أن الحرارة بدأت بالانخفاض. وأكثر أسباب الحمّى شيوعًا عند الأطفال العدوى الفيروسية التي تشكّل الغالبية العظمى من الحالات: ومنها نزلات البرد والإنفلونزا والتهابات الحلق والأمعاء، وهي لا تستلزم مضادات حيوية. وفي نسبة أصغر توجد أسباب جرثومية كالتهاب الأذن الوسطى وعدوى المسالك البولية وذات الرئة، ويُميَّز بينها بتقييم الطبيب. وثمّة أسباب غير معدية أيضًا، أبرزها فقدان السوائل والإفراط في اللباس والبقاء في بيئة شديدة الحرارة والارتفاعات الخفيفة التي تدوم يومًا بعد التطعيم والأمراض الرثوية. وقد يُحدث التسنين ارتفاعًا طفيفًا في حرارة الجسم؛ غير أن عزو الحمّى المرتفعة إلى التسنين خطأ شائع يُغفل عدوى كامنة.

كيف تُقاس الحمّى؟

يتوقّف التقييم الصحيح للحمّى أولًا على قياسها قياسًا صحيحًا؛ فالتحقّق بوضع اليد على الجبين غير موثوق وقد يؤدّي إلى ذعر لا لزوم له وإلى تأخير خطر معًا. وتتباين القيم الحدّية بحسب موضع القياس: فعمومًا تُعدّ حمّى القيمُ التي تتجاوز نحو 37,2 درجة في الإبط، و37,8 درجة في قياس الأذن والجبين، و38 درجة في القياس الشرجي. ولم تعد موازين الحرارة الزجاجية الزئبقية موصى بها لخطر الكسر والتسمّم؛ فالموازين الرقمية أأمن وأعملُ. وينبغي اختيار الأسلوب بحسب الفئة العمرية: فقياس الإبط آمن وسهل في الرُّضّع الصغار، وقياس الأذن مناسب للأطفال فوق ستة أشهر تقريبًا، أما القياس الفموي فلا يكون ذا معنى إلا في عمر يستطيع فيه الطفل إمساك الميزان تحت لسانه كما ينبغي. وثمّة حالات تُفسد دقة القياس: إذ يكون القياس مضلِّلًا في طفل خرج لتوّه من الحمّام أو أُلبس ثيابًا ثقيلة أو قُمِّط أو كان متعرّقًا، ولذلك ينبغي الانتظار نصف ساعة. وبدلًا من مقارنة قيم مأخوذة بأساليب مختلفة، من الأنفع للمتابعة القياسُ بالأسلوب نفسه وتدوينُ ساعة القياس. كما أن قياس الحرارة كل دقيقة يُقلق الطفل؛ ويكفي القياس عند تغيّر الحالة العامة أو بعد نحو ساعة من إعطاء الدواء.

ماذا يُفعل في المنزل؟

الغاية مما يُفعل في المنزل لطفل محموم ليست إنزال الميزان إلى رقم معيّن، بل إراحة الطفل والحفاظ على توازن السوائل لديه. والخطوة الأولى نزع الثياب الثقيلة عنه وتركه بملابس قطنية خفيفة وتغطيته بغطاء رقيق؛ فإلباسه طبقات ولفّه باللحاف يمنع فقد الحرارة ويرفع الحمّى أكثر. وينبغي إبقاء حرارة الغرفة لا حارّة جدًّا ولا باردة جدًّا، في حدود إحدى وعشرين إلى أربع وعشرين درجة، مع تهوية المكان بانتظام. ولمّا كانت الحمّى تؤدّي إلى فقد السوائل بزيادة التعرّق وعدد مرات التنفّس، يجب إعطاء سوائل وفيرة؛ فتُكثَّف الرضاعة عند الرُّضّع، ويُقدَّم للأطفال الأكبر الماءُ والحساءُ والسوائل المناسبة. وإذا بقيت الحرارة مرتفعة وكان الطفل قلقًا، فقد يكون المسح بماء فاتر أو دُش فاتر قصير مريحًا؛ على أن يكون الماء فاترًا بملمس ظهر اليد، وأن يُوقَف التطبيق إذا بدأ الطفل بالارتجاف. ولا حاجة إلى الإلحاح في الطعام؛ ففقدان الشهية أمر متوقَّع في فترة الحمّى، والمهم استمرار تناول السوائل. كما أن راحة الطفل بدلًا من الركض والقفز، والسماح له بالنوم متى أراد، يدعمان عملية الشفاء.

خافض الحرارة: متى وكيف؟

الغاية من أدوية خفض الحرارة ليست إزالة الحمّى كليًّا، بل إزالة انزعاج الطفل؛ فهذه الأدوية لا تغيّر مسار العدوى ولا تُسرّع الشفاء. ولذلك ينبغي ألّا يكون السؤال الأساسي "كم درجة الحرارة" بل "هل طفلي محموم لكنه بخير، أم محموم وقلق؟". فلا داعي للعجلة في إعطاء الدواء لطفل ما زال يلعب ويستطيع تناول السوائل ولا ألم لديه؛ وفي المقابل يجب إعطاء الدواء إذا كان الطفل قلقًا أو يتألّم أو لا يستطيع النوم أو يجد صعوبة في تناول السوائل. وخافضات الحرارة المستخدمة عند الأطفال أدوية مادتها الفعّالة الباراسيتامول والإيبوبروفين؛ ويحدّد الطبيب أيّها مناسب وجرعتَه وفواصلَه بحسب عمر الطفل ووزنه وأمراضه الحالية. ويجب إعطاء الجرعة دائمًا بأداة القياس الخاصة بالدواء، لا بمقاييس متغيّرة كملعقة الشاي أو ملعقة الطعام. ويجب ألّا تُستخدم إطلاقًا عند الأطفال الأدويةُ المحتوية على الأسبرين، أي حمض أسيتيل الساليسيليك، خافضًا للحرارة؛ فقد تؤدّي إلى حالة شديدة تصيب الكبد والدماغ تُعرف بمتلازمة راي. أما التناوب بين خافضين مختلفين فممارسة شائعة، لكن لم يُثبَت أنها تتفوّق بوضوح على دواء واحد، وهي تزيد خطر الخلط في الجرعات؛ ولذلك ينبغي ألّا تُتّبع إلا بتوصية الطبيب.

ما يجب ألّا يُفعل في المنزل إطلاقًا

بعض الممارسات المتوارثة التي تُجرى لخفض الحمّى ليست عديمة الجدوى فحسب، بل ضارّة مباشرة. وفي مقدّمتها مسحُ جسم الطفل بالكحول أو الكولونيا أو الخلّ؛ فهذه المواد قد تُمتصّ عبر جلد الطفل الرقيق وتسبّب تسمّمًا، كما أن استنشاق بخارها مزعج. والخطأ الشائع الثاني تحميم الطفل بماء بارد أو مثلّج أو لفّه بمنشفة مبلّلة باردة؛ فهذا يقبض الأوعية ويصعّب طرح الحرارة ويسبّب الارتجاف وارتفاع الحمّى من جديد، وأحيانًا انخفاضًا خطرًا في الحرارة. كما أن إلباس الطفل ثيابًا ثقيلة ولفّه ببطانية لأنه قال إنه يشعر بالبرد خطأ متكرّر يرفع الحمّى أكثر. وبدءُ مضادات حيوية متبقّية في المنزل دون فحص الطبيب، أو الضغطُ على الطبيب ليصف مضادًّا حيويًّا، يؤدّيان إلى استخدام دوائي لا لزوم له وإلى نشوء مقاومة؛ فأكثر أسباب الحمّى عند الأطفال هو الفيروسات أصلًا. وإعطاءُ خافض الحرارة بفواصل أقصر من الموصى به، أو تباعًا، أو بجرعة مرتفعة، خطرٌ كذلك وقد يسبّب آثارًا جانبية جسيمة على الكبد والكلى. وأخيرًا، ليس صوابًا قطعُ العلاج أو عدمُ المراجعة لأن الحرارة انخفضت؛ فانخفاض الحمّى لا يعني أن المرض الكامن قد شُفي.

ما ينبغي معرفته عن التشنّج الحُمّوي

التشنّج الحُمّوي حالة قد تُشاهَد لدى الأطفال بين ستة أشهر وخمس سنوات، وهي أكثر ما تخشاه الأسر. وأثناء النوبة يتيبّس جسم الطفل ويرتخي، وتنقلب العينان إلى الأعلى أو تثبتان عند نقطة، وينقطع التواصل مع المحيط، وقد يسيل اللعاب من الفم، وقد يُشاهَد ازرقاق قصير وتبوّل لا إرادي. ومع أن منظرها مخيف للغاية، فإن معظم التشنّجات الحُمّوية البسيطة تنتهي من تلقاء نفسها خلال دقائق ولا تترك ضررًا دائمًا لدى الطفل؛ وخلافًا لما يُظنّ، لا تؤدّي هذه الحالة إلى الصرع أو الإعاقة الذهنية أو العجز. وما ينبغي فعله أثناء النوبة بسيط: يُضجَع الطفل على سطح ليّن آمن، ويُفضَّل على جنبه، وتُبعَد الأجسام الصلبة من حوله، وتُدوَّن ساعة بدء النوبة. ويجب ألّا يُوضَع في فمه أي شيء إطلاقًا، وألّا يُحاوَل إمساك لسانه، وألّا يُسقى ماءً، وألّا يُحاوَل إيقاف ذراعيه وساقيه المتشنّجتين بالقوة؛ فهذه المحاولات قد تؤدّي إلى إصابة واختناق. وإذا استمرّت النوبة أكثر من خمس دقائق، أو تكرّرت تباعًا، أو لم يَعُد الطفل إلى وعيه بعدها، أو كانت نوبته الأولى، فيجب طلب الإسعاف دون إضاعة وقت. وثمّة نقطة مهمة أخرى ينبغي معرفتها هنا: إعطاء خافضات الحرارة بانتظام لا يمنع التشنّج الحُمّوي؛ ولذلك يُستخدَم الدواء لإراحة الطفل لا خوفًا من التشنّج.

متى تجب مراجعة الطبيب دون تأخير؟

لا يلزم الإسراع بكل طفل محموم إلى الطوارئ؛ غير أن بعض الحالات لا تحتمل الانتظار، ومعرفة هذه القائمة أكبر سند للأسرة. ففي الرُّضّع دون ثلاثة أشهر يجب تقييم كل حرارة تبلغ 38 درجة فأكثر دون تأخير، حتى مع غياب أي علامة أخرى؛ وقد تستلزم هذه الحالة في فترة حديثي الولادة متابعةً في المستشفى. وأيًّا كان مصدر الحمّى، فإن ظهور الطفل شاردًا أو غير مستجيب أو مفرط الميل إلى النوم، أو أنينه المستمر أو بكاءه بلا انقطاع، علاماتُ إنذار مهمة. كما يستلزم تقييمًا عاجلًا ضيقُ النفس والتنفّس السريع المجهد وازرقاق الشفتين أو الجلد وتيبّس الرقبة والصداع الشديد والقيء المستمر وعدم القدرة على تناول السوائل. وينبغي فحص الطفح الذي يظهر مع الحمّى بعناية، ولا سيّما إذا وُجدت نقاط حمراء بنفسجية صغيرة لا تشحب عند الضغط عليها، فتجب مراجعة مؤسسة صحية فورًا. وجفافُ الفم وغيابُ الدمع عند البكاء وانخساف اليافوخ أو انتفاخه عند الرُّضّع ونقصانُ كمية البول بوضوح علاماتٌ على فقدان السوائل. كذلك من الحالات التي تستلزم تقييم الطبيب استمرارُ الحمّى أكثر من ثلاثة أيام، أو عدمُ انخفاضها البتّة رغم خافض الحرارة أو معاودتُها الارتفاع سريعًا، وسابقةُ تشنّج، ووجودُ مرض قلبي أو رئوي أو استقلابي أو خلل مناعي.

أسئلة شائعة

هل تُحدث الحمّى المرتفعة ضررًا في الدماغ؟ الحمّى الناجمة عن العدوى ترتفع تحت آلية تحكّم الجسم نفسه، ولذلك لا تتجاوز عادةً حدًّا معيّنًا ولا تُحدث وحدها ضررًا دماغيًّا. والخطر الحقيقي لا ينبع من الحمّى بل من المرض الكامن؛ ففي حالات كالتهاب السحايا يكون المؤذي هو العدوى نفسها. وفي المقابل تُقيَّم حالات فرط التسخين الخارجي كضربة الشمس تقييمًا مختلفًا وهي حالة طارئة. ولذلك ينبغي أن يكون التركيز على الحالة العامة للطفل لا على الرقم في الميزان.

انخفضت حرارة طفلي، فهل شُفي؟ لا. فخافض الحرارة يخفض الحرارة مؤقتًا فقط ولا يعالج العدوى؛ وقد ترتفع الحمّى من جديد عند زوال أثر الدواء. وهذا لا يعني أن المرض ساء، بل يدلّ على أنه ما زال قائمًا. ومؤشّر الشفاء أن يصبح الطفل تدريجيًّا أكثر نشاطًا وشهيةً في الفترات الخالية من الحمّى.

هل يسبّب التسنين حمّى مرتفعة؟ قد يُحدث التسنين ارتفاعًا طفيفًا في حرارة الجسم، لكنه لا يُعدّ سببًا لحمّى مرتفعة واضحة. والحمّى المرتفعة التي تظهر في هذه الفترة يكمن وراءها في الغالب عدوى متزامنة. وعزوُ الحمّى إلى الأسنان تلقائيًّا قد يُغفل حالات كالتهاب الأذن الوسطى أو عدوى المسالك البولية. ولذلك يلزم الفحص عند الحمّى المرتفعة ولو كان الطفل في فترة تسنين.

هل الحمّى بعد التطعيم طبيعية؟ الحمّى الخفيفة التي تدوم نحو يوم بعد التطعيم والاحمرار في موضع الحقن علامتان متوقَّعتان تدلّان على استجابة الجهاز المناعي. ويكفي في هذه الفترة عادةً الإكثارُ من السوائل واللباسُ الخفيف؛ وإذا كان الطفل قلقًا يمكن استخدام خافض الحرارة الذي يوصي به الطبيب. غير أن التقييم يلزم إذا دامت الحمّى أطول من المتوقَّع أو ارتفعت كثيرًا أو ساءت الحالة العامة للطفل. وتُعالَج الحمّى بعد التطعيم عند الرُّضّع الصغار وفق قواعد العمر نفسها.

هل أبدأ مضادًّا حيويًّا لطفل محموم؟ لا ينبغي بدء المضاد الحيوي دون فحص الطبيب وتقييمه. فالغالبية العظمى من الحمّى عند الأطفال فيروسية المنشأ، ولا فائدة للمضاد الحيوي البتّة في هذه العدوى. والاستخدام غير الضروري يؤدّي، إلى جانب الآثار الجانبية، إلى نشوء مقاومة تجعله بلا جدوى في عدوى حقيقية لاحقًا. وإذا تبيّن سبب جرثومي، يحدّد الطبيب الدواء المناسب ومدّته.

أُعدّ هذا المقال لغرض التوعية العامة فقط، وهو لا يحلّ محلّ فحص الطبيب. وإذا ظهرت لدى طفلكم مع الحمّى علاماتٌ كتدهور الحالة العامة أو صعوبة التنفّس أو الطفح أو التشنّج أو عدم القدرة على تناول السوائل، فراجعوا مؤسسة صحية دون إضاعة وقت.

الأقسام ذات الصلة طب الأطفال

أطباء طب الأطفال

ملاحظة مهمة

المعلومات الواردة في هذه الصفحة لأغراض التوعية العامة فقط ولا تغني عن التشخيص أو العلاج. يُرجى مراجعة طبيبك عند وجود أي شكوى.

مقالات ذات صلة